أبي منصور الماتريدي
106
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
إذا رأيت فيه فطورا وشقوقا رأيت فيه تمانعا وتدافعا ، وفي حصول التمانع والتدافع حصول العدد ؛ لأن التدافع والتمانع إنما يقع عند ثبات العدد ؛ لأن ما يبني هذا يهدمه الآخر ، وما يهدمه الآخر وينقضه يبني الآخر ، فعند ذلك يقع التدافع ، وإذا لم ير فيه فطورا أو شقوقا ، بل رآه متسقا مجتمعا ؛ دل على وحدانيته وقدرته وسلطانه . وكذلك التفاوت يدل على السفه ونفي الحكمة ، وارتفاع التفاوت يدل على حكمته وعجيب تدبيره ؛ فيكون في ارتفاع [ الفطور والتفاوت ] « 1 » إثبات القول بالوحدانية وإيجاب القول بالبعث من حيث ثبت حكمته ، وفي نفي القول بالبعث زوال الحكمة ، وفيه إيجاب المحنة والابتلاء ؛ لأن العدد إذا ثبت ، كان للممتحن ألا يعمل حتى يتبين له الغالب من المغلوب فلا يضيع عمله . أو يشتغل « 2 » كل بإقامة سلطانه ونفاذ تدبيره ، فلا يتفرغ للأمر بالمحنة ؛ ألا ترى [ إلى ] « 3 » قوله : وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ [ المؤمنون : 91 ] قيل : يذهب كل واحد منهم بالجزء الذي « 4 » خلقه ؛ فيظهر عند ذاك فطور وشقوق ؛ لأن ما خلق هذا يمتاز من الذي خلقه الآخر ، فارتفاع الفطور يدل على وحدانية الصانع جل جلاله . وقيل في قوله : ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ أي : من حيث الدلالة على وحدانية الرب - تعالى - أو من حيث الحكمة والمصلحة ؛ فالخلائق كلها في المعاني التي ذكرناها غير متفاوتة ، لا أن تكون الأشياء المحدثة غير متفاوتة في أنفسها ؛ لأن بين السماوات والأرضين تفاوتا ، وكذلك بين « 5 » الحياة والموت تفاوت ، ولكن منافع السماء متصلة بمنافع الأرض ، ومنافع أهل الأرض متصلة بالأرض وقوامهم ومعاشهم بما يخرج منها ، وكل ذلك يدل على وحدانيته وعلى حكمته ولطائف تدبيره . وقوله - عزّ وجل - : فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ . ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ . فجائز أن يكون هذا على رجوع بصر الوجه . وجائز أن يكون على رجوع بصر القلب .
--> ( 1 ) في ب : التفاوت والفطور . ( 2 ) في ب : يستعمل . ( 3 ) سقط في ب . ( 4 ) في ب : والذي . ( 5 ) في ب : من .